وكذلك كان الحال مع بلاد القبط حيث كان شعب
القبط يعرف بالأقباط . فما علمناه من مكاتبات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
للمقوقس أنه نعته بعظيم القبط فهل صرح المقوقس بأنه فعلاً عظيم القبط؟
فلنقرأ رد المقوقس على كتاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم كما نقله لنا الميانجي وصاحب
الطبقات الكبرى
" بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد بن عبد
الله من المقوقس عظيم القبط ، سلام عليك، أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت
فيه وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيا قد بقى، وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام ، وقد
أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين، لهما مكان في القبط عظيم ، وبثياب، وأهديت إليك
بغلة لتركبها. والسلام عليك "
فإلى جانب أنه لم يرد ذكر "مصر" ولا
"مصريين" في خطاب المقوقس الذي يفترض أنه مصري، فإننا وجدنا ما كنا نبحث
عنه، حيث صرح المقوقس في رده كتابياً بأن بلاده تسمى عندهم "قبط" وذلك
في معرض كلامه حين كتب "وبعثت إليك بجاريتين، لهما مكان في القبط عظيم
". إضافة لذلك، نحن نعلم أن إحدى هاتين الجاريتين المعنيتين غدت لاحقاً أماً
للمؤمنين بعد أن تزوجها الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ، واسمها مارية (أم
إبراهيم) والتي كانت تلقب أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا ب
"مارية القبطية "، أي السيدة التي تنتمي لأرض "القبط" وليس
المعني المشاع اليوم والذي يحصر مفردة قبط على نصارى بلاد وادي النيل .
ودليل ذلك أن مارية بقيت معروفة بين المسلمين
بمارية القبطية حتى بعد إسلامها، بل وحتى بعد أن غدت أماً لكل المؤمنين بفضل
زواجها من خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم ولم يرد قط في تراثنا تغيير لقبها بعد إسلامها
إلى لقب يرفع عنها أثر الديانة المسيحية كما هو اعتقادنا اليوم، فبقيت تحمل لقب
بلادها القبط، كما بقي الصحابي صهيب يحمل لقب بلاده الروم وبلال يحمل لقب بلاده
الحبشة وسليمان يحمل لقب بلاده فارس .
هذا ولم يرد اسمها الشريف منعوتاً
"بالمصرية " أي بهذه الصيغة " أم المؤمنين مارية المصرية".
خلاصة القول هنا، أن المسلمين في صدر الإسلام
كانوا يسمون بلاد وادي النيل بخلاف ما كان شعب وادي النيل يسمي بلاده وينعت نفسه،
كما كشف لنا ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال مكاتباته مع الأقباط .
وهذا أمر غريب سكت عنه دهراً في حين يستدعي
المزيد من التحقيق لمعرفة عمر هذا الاسم أي "القبط" في بلاد و ادي النيل
فلا يمكن لفرعون أن يقف وسط قومه مناديا ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ كما جاء في كتاب الله وهو في بلاد يسميها هو
وقومه "قبط"؟!
وما انكشف لنا هو أن أهل بلاد وادي النيل كانوا
من زمنٍ ما وحتى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرن السابع للميلاد، يسمون بلادهم القبط .
وهذا ما يفسر لنا أن شعب بلاد وادي النيل ينعتون تاريخياً "بالأقباط".
كما تدعونا هذه الحقيقة للتيقن من أن الأقباط لم يسموا بلادهم مصر ولم ينعتو ا
أنفسهم بالمصريين حتى زمن الخلفاء الراشدين وذلك لقرب الزمن بين كتاب الرسول صلى
الله عليه وسلم وحقبة الخلفاء الر اشدين،
وهذا الطرح يؤيده ما جاء في كتاب الخليفة عمر رضى الله عنه لعمرو بن العاص حيث نعت شعب وادي النيل بالأقباط
وأطلق اسم مصر على بلادهم!
مع ذلك لا نستطيع أن نعتمد ما جاء في مكاتبات
خاتم المرسلين وعظيم الأقباط وذلك لتحقق شرط واحد فقط من السؤال التحقيقي وهو
معرفة ماذا كان يسمي الأقباط بلادهم قبل نزول القرآن الكريم .
لكون عظيم الأقباط كشف لنا عن اسم بلاده في
زمانه وليس في زمن فرعون الذي يسبقه بحوالي 1900 سنة. ومع ذلك فإن هذا الكشف أحدث
نقله هامة في التحقيق تتمثل في انكشاف أن ثمة تنازعاً بين اسمين لبلاد وادي النيل
أحدهما "القبط" والآخر "مصر". حيث رجح المسلمون اسم مصر على
اسم القبط بينما رجح الأقباط القبط على مصر لذا لزمنا المزيد من التحقيق في الأمر
)


0 التعليقات: